في نقابة المحامين
ذهبت اليوم إلى السفارة الفلسطينية لعمل توكيل من شقيقتي لابن شقيقتي في غزة كي يقوم بتجديد جواز سفرها من هناك. وتقع السفارة الفلسطينية في الدقي، في حي راقي وهادئ وعريق.. وحي الدقي من أكثر المدن التي أعجبتني في القاهرة؛ حيث أشعر فيه بالأصالة والعراقة والتاريخ الذي لا أشعرها في مكان آخر.. وسرت في ظل الأشجار الباسقة في الشارع التي تحفه البنايات الأثرية، وبعد قليل من السير وصلت إلى السفارة، وهبطت إلى الصالة التي تستقبل الجمهور بعدة درجات، ودخلت في الممر الضيق الموضوع فيه دكة خشب أو دكتين ليس للراحة أو الانتظار.. وإنما ليجلس عليها اليائس من قضاء حوائجه، ويضع رأسه بين كفيه ويلعن السفارة ومن في السفارة.. وما أكثر البائسين في ذلك المكان..!
وأمام دكة الخشب سور بطول نصف الرجل، يعلوه زجاج إلى السقف، وقد فتحت في الزجاج فتحة كالتي يدخل منها الطعام للمساجين الخطيرين في السجون، وعلق فوق كل فتحة من الفتحات، ورقة كتب عليها أسعار التصديقات والطوابع لكل معاملة.. ويخيل للداخل في تلك الصالة أنها مكان لصرافة العملة المحظورة في سوق سوداء.. فلما جئت إلى أحد الموظفين ومددت إليه التوكيل من وراء الزجاج، ثم قرأ ما فيه بدت على وجهه علامات الرفض قبل أن يتم القراءة، ثم أعاد لي التوكيل ثانية، قائلا: نحن لا نصدق على توكيل لشخص في غزة، ومن أراد أن يجدد جوازه فليجدده هنا في السفارة. وبعد جدال بيني وبين هذا الموظف، قلت له هل من العدل أن أجدد الجواز هنا بـ 400 جنيه في حين أني أجدده في غزة بـ 100 جنيه؟!
ويبدو أن تلك الكلمة أحدثت فيه تأثيرا ما، فقال أعطني الجواز كي أصادق لك على المعاملة، وهنا كانت المشكلة؛ لأن الجواز قد أرسلته لغزة، فلما علم الموظف بذلك كان له ذلك مبرر وجيه ليستمر في الرفض حتى النهاية.
خرجت من السفارة يائسا، ولم يبق أمامي للتصديق على الوكالة إلا الشهر العقاري أو نقابة المحامين..
ذهبت متوكلا على الله إلى الشهر العقاري، ودخلت من الباب، ثم دلفت إلى الصالة الواسعة، وتوجهت مباشرة إلى المكتب الموجود في صدر الصالة وقد كتب فوقه على ورقة ملصقة على الحائط: مكتب الرئيس..
كان الرئيس مشغولا مع فتاة عاملة في الشهر العقاري، صغيرة السن، ينساب شعرها الأصفر على كتفيها، وتقلب بأصابع جميلة، مطلية أظافرها بلون فضي براق، في صفحات السجل الكبير كما يطلب منها، فلم أرد أن أزعجه أو أعكر مزاجه الرائق على الصبح، فجلست ريثما ينتهي.. ولكن المشهد بدا لا نهاية له، فما أن تنتهي السكرتيرة من صفحة حتى يشير لها لتفتح صفحة أخرى، وكأنه لا يفطن إلى وجودي أمامه، وتنحنحت أكثر من مرة بلا جدوى، ولا تملك الفتاة إلا أن تقول باحترام جم "حاضر يا افندم..!"
فقطعت على الرئيس انسجامه وشرحت له الموضوع، ومددت له الورقة ليقرأها، ومن باب النكد، أو من باب أنه المسئول كان لابد أن يجعل له لمسة شخصية على الصياغة؛ فشطب بعض العبارات واستبدلها بأخرى، وقال أريد التوكيل هكذا؛ لأن الكلام ده بيمشي عندكم في فلسطين بس هنا لأ.. فقلت في نفسي إذا كان المشكلة في الصياغة فهي بسيطة..
يا مسهل الأمور..!
فخرجت من الشهر العقاري أبحث عن مكتب للطباعة، في أشد مناطق القاهرة ازدحاما، في منطقة الإسعاف، واستعرضت في مخيلتي تلك المكان فلم أتذكر أني صادفت من قبل في ذلك المكان مكتب للطباعة أو لتصوير المستندات.. وبالرغم من ذلك فقد كانت غريزتي تقودني إلى منعطفات ومنحنيات حتى عثرت في مكان غير بعيد، في زقاق،على مكتب صغير للتصوير وطباعة المستندات، وبسرعة البرق طبعت الموظفة التوكيل وكأنها كانت تعلم مدى لهفتي لإتمامه، فلما رجعت إلى المسئول عجب من السرعة التي رجعت بها. وبالرغم من ذلك فقد تقبل الصيغة على مضض، وأراد أن يعترض مرة أخرى، لكنه كتم اعتراضه، ونادى على موظف آخر، وقال له خلص المعاملة دي...!
وكما وضع الرئيس لمسته الشخصي على الوكالة أراد المسئول الصغير أن يضع لمسته الشخصية أيضا؛ فطلب الجواز الأصلي ليقارنه مع الصور المرفقة مع الأوراق، وهنا كانت الطامة الكبرى عندما علم أن الجواز الأصلي موجود في غزة، فرفض رفضا باتا حتى مجرد مناقشة الموضوع، وقال إنك نضيع وقتك بلا جدوى!
خرجت من الشهر العقاري، ولم يبق أمامي إلا نقابة المحامين، وكانت ملاصقة للشهر العقاري، فلما دخلت من بوابتها الحديدية، وكان بابها الخشبي الكبير قد وضع فيه قفل كبير، وسألت عن السبب فقيل أنه مغلق بسبب الانتخابات، ولما سألت عن المحامين قالوا إنهم يجلسون في الكافتيريا الواقعة في حديقة المبنى..
دلفت إلى الحديقة، وكانت تنتشر في هذه الحديقة الطاولات التي يجلس عليها المحامون والمحاميات، واستغربت أن هؤلاء الأشخاص محامون، فقد كانوا يشبهون طلاب الجامعة وهم يجلسون في الكافتريا بين المحاضرات، وقد وضع على بعضها القهوة وعلى البعض الآخر الشاي والعصير والبسكويت، وبعضها كان خاليا من أي شيء إلا من حقيبة المحامي وأوراقه.. وتفرست في وجوههم فيئست أن تتم معاملتي على أيدي أحد منهم.. ولكن من باب الأخذ بالأسباب جئت إلى طاولة يجلس عليها اثنان كان أحدهما في العقد الثالث من عمره، نحيف الوجه، ذا لحية صفراء خفيفة، تبدو عليه المثالية، ومن الذين يلتمسون لضعفهم وقلة حيلتهم مبررات منطقية.. فلما قرأ الصيغة وعلم أن الجواز الأصلي غير موجود، قال لي كلاما جعل عشمي في إتمام هذه المعاملة كعشم إبليس في الجنة.. ثم قال بلهجة قاطعة: لن تجد محامي يوقع لك هذا الأمر على مسئوليته، وها هم المحامون أمامك فحاول معهم..!
رحت أتفرس في الوجوه التي أمامي مرة أخرى فتعثرت فراستي إلا من شخص جالس بمفرده على طاولة، وقد انشغل بتحرير بعض الأوراق أمامه.. كان الرجل في العقد الخامس من عمره، نحيف الجسم، يلبس برنيطة ويبدو عليه انه كمساري في أوتوبيس، فسالت المحامي الشاب عن هذا الشخص هل ذاك الشخص محامي؟ فرفع عنقه ليفسح لنظره طريقا إليه، ثم هز رأسه وذم شفتيه تعبيرا عن النفي!
فتركته وتوجهت إلى داخل الكافتريا، وتوجهت إلى محامي آخر وأنا على يأس تام في قدرته أن يتم هذه المعاملة، وعرضت عليه التوكيل، ومنيته بدفع المبلغ الذي يريده، فاخذ الأوراق ودخل إلى داخل المبنى ثم عاد بعد هنيهة، وقد بدت على وجهه دلائل الخذلان، من شدة الرفض الذي قوبل به في الداخل، ثم قال لقد رفضوا التوقيع على هذا التوكيل بدون الجواز الأصلي..
خرجت عند ذلك من النقابة وقد ترسخت في نفسي حقيقة أن المحاماة فن لا يوهب، وأن المحامي الناجح كالجراح لابد لنجاحه من أن تتوفر له المبادرة والشجاعة وقسوة القلب..
وعدت إلى البيت وأنا ألعن الروتين القاتل، وأدركت أن هؤلاء لا مستقبل لهم في مهنة المحاماة، وذهبت إلى الشقة ونمت، فلما استيقظت خطر في ذهني، أحد الجيران هنا الذي كانت تمسك قضية له محامية، وفي المدة الأخيرة سحب قضيته من عندها، فلما سألته عن السبب قال: "ما بتشبعش فلوس، ولا تحب إلا أن تتولى قضايا اللصوص وتجار المخدرات"!! وعندها هتف هاتف في نفسي كالذي هتف في نفس أرشميدس من قبل: لقد وجدتها..!
وفي المساء توجهت إلى تلك المحامية.. كان مكتبها يقع في الدور الأرضي في أحد البنايات القديمة، فلما تخطيت عتبة الباب الحديدي، كان أمامي باب مفتوح يتسرب منه الضوء، وكانت المحامية تجلس على مكتبها، وأمامها كرسيان تجلس على احدهما امرأة بلباس ريفي وطرحة فلاحي..
كانت المحامية سمراء قصيرة تميل إلى النحافة في العقد الخامس من عمرها، متوقدة الذكاء وبنت بلد بامتياز..
استقبلتني بابتسامة ودودة وأدب جم، وعرضت عليها الموضوع بهدوء، دون التطرق للصعوبات التي واجهتني، فلما قرأت الموضوع لفت انتباهها اسم العائلة، فقالت بعدما نحت الورقة جانبا وتوقفت عن القراءة:
-لقد خطب شخص من عائلتكم أختي من سنوات عديدة.. وسكتت..
ثم قالت بعد صمت لم يطل:
- ولكن وقتها لم يحصل نصيب..
وتنهدت تنهيدة طويلة وهزت رأسها، وسرحت في شيء ما، ثم قالت:
- شايف الدنيا قصيرة قد إيه..؟
روعتني هذه الكلمة بالطريقة التي قيلت بها، وأحسست كأن بيننا حساب قديم تريد تصفيته، فكأنها تقول لي: شفت.. مش قلتلك إن مصير الحي يتلاقى..!
وحاولت تقييم الموقف، لكن محاولات تقييمي لهذا الأمر بالمقاييس الشائعة لن يقل خطأ عن محاولة وضع التيرمومتر في الماء المغلي..
وساد صمت في المكان..
لقد كان المكان يلفه شيء من الخطورة.. تجده في ضوء المكتب الباهت، في ألوان الجدران الغامضة.. في الأوراق القديمة الملقاة على مكتبها في صمت.. في المرأة الريفية، الجالسة أمامي والمتشحة بالسواد، والمغلفة بالصمت من رأسها إلى أخمص قدميها.. حتى في نغمة محمولها عندما دق ليقطع هذا الصمت، وبعد أن أتمت المكالمة القصيرة، أعادت النظر في الورقة مرة أخرى، ثم قالت:
- طيب ايه المطلوب مني دلوقتي؟
- أبدا.. توقيعك، ثم التصديق عليها من نقابة المحامين..
- بس كدة.. تحت أمرك.. بكرة تكون جاهزة.
ثم أعادت النظر في الورقة مرة أخرى، فلاحظت عدم وجود توقيع شقيقتي فاستغربت.. وقبل أن أبدو الندم أو الأسف، تناولت قلما من أمامها وقالت بعدما قدمته لي، وابتسامة هادئة ترتسم على شفتيها:
-حط توقيعك مكانها، ما يجراش حاجة!..
وضعت توقيعي بدلا من شقيقتي وأنا ابتسم، ثم اسـتأذنتها، فودعتني بابتسامة ودودة كالتي استقبلتني بها.. وطبعا طلبت الأتعاب قبل أن أودعها فأعطيتها جزءا من المبلغ، وكادت أن تعترض ولكنها آثرت الصمت..